عِدَدُ النِّسَــاء
قيّم هذا المقال
عدد النساء وكل ما يتعلق باحكام عدة المعتدات سواء كن مطلقات او ارامل
تمهيد
سر بقاء هذه الشريعة وخلودها، ومقاومتها لقوى الشر والعدوان، وتصديها للمحن والكوارث، والفتن العظام في شمولها، وحفظها، وصلاحها لكل زمان ومكان، وسهولتها، ويسرها، ومراعاتها لواقع الأماكن والأزمان، ولا غرو في ذلك لأنها وحي الرحيم الرحمن.
لقد اهتم الإسلام بالأسرة أيما اهتمام؛ لأنها هي نواة المجتمع المسلم الفاضل، وصانها من التفكك، ورعاها في حالي التوافق، والخصام.
لم يكتف اهتمام الإسلام بالزوجين والأولاد، بل تعداه إلى افتراض وجود أجنة في الأرحام، فشرع لذلك أحكام العِدة وأوجبها على المطلقة، والمتوفي عنها زوجها، والمفقود، وجعل عقد الزوجية من أقوى العقود، وحقوقها من أفضل الحقوق، عندما ابتلى الله الأمة بسبب تقصيرها، وتفريطها، بعد تعاون الزنادقة، والمنافقين المتاظهرين بالإسلام مع اليهود الحاقدين، والنصارى الضالين في إسقاط الخلافة العثمانية، وتقاسمت الدول الاستعمارية الكافرة الدول الإسلامية، بعد أن فصلت بينها بحدود وهمية، أبعد الإسلام عن كل مناحي الحياة، واستبدل المسلمون المقهورون الذي هو أدنى، وأحط، وأذل، بالذي هو خير، وبركة حيث حُكموا بالقوانين الوضعية، والدساتير الجائرة لم يتجرأ المستعمر أن يبعد فقه الأسرة، حيث ظل المسلمون يتحاكمون فيه إلى شريعة ربهم، حيث خصِّصت دائرة في المحاكم العلمانية عرفت بدائرة "الأحوال الشخصية" ولم تتجرأ قوى الشر على تحريف فقه الأسرة إلاَّ أخيراً على يدي بعض المنافقين، الذين أشربوا حب الكفار، من نفر من بني جلدتنا، يتكلمون بلغتنا، ولكنهم يعادون ديننا أكثر وأشد من عداوة الكفار، حيث شرعوا قوانين شيطانية، تحرِّم تعدد الزوجات، وتعتذر للزناة، وتمنع تزويج البنات دون سن الثامنة عشرة، وتبيح السفور، وتذمُّ الحجاب، بل وتمنع من على رأسها خرقة وليس المتنقبة من دخول المستشفيات ولو كانت في حالة وضوع، كما هو الحال في بعض البلاد.
فهذا بحث عن عِدَدُ النساء، عن تعريف العدة، وحُكمها، وعللها وأنواعها، وما يتعلق بها من احداد ونفقة ونحو ذلك، كتبته من باب النصيحة لعامة المسلمين.
وقد دفعني للكتابة عن ذلك أمور هي:
1. جهل كثير من المسلمين بهذه الأحكام الشرعية، وما ينبني عليها، في حين أن معرفتهم لتلك الأحكام من الواجب العيني عليهم.
2. كثرة سؤال الناس، واختلافهم في بعض أنواع العدد.
3. تساهل بعض من يسأل غير أهل العلم عن بعض الأحكام المتعلقة بالعدة، وبعض النساء.
4. ضياع بعض الحقوق المتعلقة بالعدة نحو النفقة على المعتدة من وفاة، أوطلاق رجعي.
5. الإسهام في وجود مؤلف ميسر سهل يمكن الرجوع إليه في هذا الشأن.
والله أسأل أن يوفقني لذلك، وأن يجعل عملي خالصاً ومتقبلاً، وصلى الله وسلم على أفضل زوج في العالمين، وعلى آله وصحبه وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تعريف العدة لغة
مأخوذة من العدد، العِّدة بالكسر مصدر الإحصاء للعدد، والعُدَّة بالضم الشيء المستعد لشيء، والعَدُّ بالفتح الجملة المعدودة1.
تعريف العدة شرعاً
تربص يلزم المرأة عند زوال النكاح المتأكد أو شبهته2، وقيل: هي حريم لانقضاء النكاح.
حُكمُ العدة
حكم العدة الوجوب.
سببها
الطلاق، أوالوفاة، أوفقدان الزوج.
دليلها
الكتاب، والسنة، والإجماع.
فمن الكتاب
1. قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخــر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصــلاحــاً"3.
2. وقوله: "واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن إرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللآئي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"4.
3. وقوله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجـــاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً"5.
4. وقوله: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة"6.
ومن السنة
1. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امراته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي امر الله أن تطلق لها النساء"7.
2. "أمره صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك".
الإجماع
أجمعت الأمة على وجوب العدة على المطلقة، والمتوفي والمفقود زوجها.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (العدد ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حق الصغيرة والكبيرة، والعاقلة والمجنونة، والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية).
للعدة حِكَم عدة، وتعليلات كثيرة تختلف باختلاف سبب العدة، ودين المعتدة، ونحو ذلك، وفي الجملة فقد شرعت العدة للحِكَم الآتية:
1. حق لله عز وجل، بامتثال أمره.
2. وحق للزوج، بإعطائه فرصة للمراجعة، وتقديراً لمكانته عند المرأة.
3. وحق للزوجة، وهو النفقة، والسكنى أثناء العدة.
4. تبرئة الرحم حتى لا تختلط الأنساب.
5. للتأكد من وجود الولد أم لا.
يختلف ذلك باختلاف حال النساء وسبب العدة.
فتحصى العِدَّة بـ:
1. الأقراء لمن كانت تحيض، فعدتها ثلاثة قروء، سواءً كان طهراً أو حيضاً حسب اختلاف أهل العلم في ذلك.
2. الشهور لمن كانت لا تحيض إما لصغر أوليأس منه، فعدتها ثلاثة أشهر قمرية.
3. وضع الحمل لمن كانت حاملاً، سواءً كانت عدة طلاق أووفاة.
4. أربعة أشهر وعشراً للمتوفي عنها غير الحامل.
5. امرأة المفقود، وتحصى عدتها بالسنوات والأشهر القمرية.
الأقراء، هل هي الحيض أم الأطهار؟
لأهل العلم في تأويل الأقراء في قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" قولان هما:
1. الأقراء هي الحيض.
2. الأقراء هي الأطهار.
والقولان متكافئان من ناحية اللغة، لأن الأقراء من الأضداد يطلق على الحيض ويطلق على الأطهار، وكذلك من ناحية الأدلة، وذهب إلى لكل واحد من القولين طائفة من علماء الأمة المقتدى بهم من لدن الصحابة ومن بعدهم، وهذا من باب اختلاف التنوع الذي لا ينبغي لأحد أن يثرب فيه على أحد وأن كان أحد القولين أرجح من الآخر.
لقد توسع العلامة ابن القيم في مناقشة ذلك وأتى بأدلة الفريقين وناقشها نقاشاً مستفيضاً وانتصر إلى أن المراد بالأقراء الحيض، فمن أراد التوسع فليرجع لزاد المعاد8.
مَنْ ذهب إلى أن المراد بالأقراء الحيض
ذهب إلى هذا القول من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت، وأبوالدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل؛ وهو قول أصحاب ابن مسعود كما قال ابن القيم: علقمة، والأسود، وإبراهيم، وشُريح؛ وأصحاب ابن عباس: سعيد بن جبير، وطاوس؛ وقول الشعبي، والحسن، وقتادة؛ وقول أئمة الحديث: إسحاق بن راهويه، وأبو عبيدة القاسم، وإحدى الروايات لأحمد، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
مَنْ ذهب إلى أن المراد بالأقراء الأطهار
من الصحابة: عائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وفقهاء المدينة السبعة، وأبان بن عثمان، والزهري؛ ومن الأئمة المقتدى بهم: مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهومذهب الظاهرية رحمهم الله.
قال القرطبي9رحمه الله: (واختلف العلماء في الأقراء فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسُّدي.
وقال أهل الحجـاز: هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمـر، وزيد بن ثابت، والزهـري، وأبان بن عثمان، والشافعي؛ فمن جعل القرء اسماً للحيض سماه بذلك، لاجتماع الدم بالرحم، ومن جعله اسماً للطهر فلاجتماعه في البدن.
إلى أن قال:
واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات"، سارت الآية مفسرة في العدد، محتملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فدليلنا قول الله تعالى: "فطلقوهن لعدتهن"، ولا خلاف أنه يأمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة، فإنه قال: "فطلقوهن" يعني وقتاً تعتد به، ثم قال تعالى: "واحصوا العدة" يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه، وقال صلى الله عليه وسلم: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" أخرجه مسلم وغيره؛ وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلق فيه النساء.
ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتد بذلك الحيض، ومن طلق في حال الطهر فإنه تعتد عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى.
وقال الشيخ البسام حفظه الله: أما تفسير الأقراء المذكور في قوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"، فقد اختلف العلماء في ذلك سلفاً وخلفاً على قولين:
أحدهما: أن المراد بالأقراء الأطهار، قالت عائشة إنما الأقراء الأطهـار؛ وقال الإمـام مالك عن ابن شهاب سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلاَّ وهو يقول ذلك.
وهو مـروى عن ابن عبـاس، وزيد بن ثـابت، وسـالـم، والقـاسـم بن محمـد، وعـروة وأبي بكر بن عبد الرحمن، وقتادة والزهري، وبقية الفقهاء السبعة وغيرهم، وهو مذهب مالك، والشافعي، وداود، وأبي ثور، ورواية عن أحمد.
الثاني: أن المراد بالأقراء: هي الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
قال القاضي10: الصحيح عن أحمد أن الأقراء هي الحيض وإليه ذهب أصحابنا.
إلى أن قال: أما دليل من يرى أن ـ القرء ـ هو الحيض قوله تعالى: "واللائي يئسن من المحيض" الآية، فقد شرع الله تعالى الاعتداد عند عدم الحيض بالأشهر، مما يدل على أن الأصل الحيض، ولأن المعهود11 في لسان الشارع استعمال القرء بعد الحيض، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "تدع الصلاة أيام قرئها" رواه أبو داود، وبما رواه النسائي من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء"، ولأن ظاهر قوله تعالى: "يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" وجوب التربص ثلاثة كاملة، ومن جعل القروء الأطهار يكتفى بطهرين، وبعض الثالث فيخالف ظاهر النص والله أعلم)12.
ثمرة الخلاف في تفسير القروء
أجمع العلماء على أن من طلقت وهي حائض لا تعتد بهذه الحيضة، ثم اختلفوا، فمن قال: إن الأقراء هي الأطهار فإن طلقها في طهر ما لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة أولحظة، ثم تضيف إليه طهرين، فإن رأت الحيضة الثالثة انقضت عدتها.
ومن قال إن الأقراء هي الحيض وطلقت وهي طاهر انتظرت حتى تحيض ثلاثة حيض، فإذا طهرت بعد الثالثة انقضت عدتها.
قال القرطبي: (فإن طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه، ولو ساعة ولو لحظة، ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة، ثم ثالثاً بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت واعتدت بما بقي من ذلك الطهر؛ وقال الزهري في امرأة طلقت في بعض طهرها: إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر؛ قال أبوعمر: لا أعلم احداً ممن قال: الأقراء الأطهار، يقـول هذا غير ابن شهاب الزهري، فإنه قال: تلقي الطهر الذي طلقت فيه، ثم تعتد بثلاثة أطهار، لأن الله عز وجل يقول: "ثلاثة قروء".
قلت: فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة، وقول ابن القاسم، ومالك، وجمهور أصحابه، والشافعي، وعلماء المدينة: أن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة، وهو مذهب زيد بن ثابت، وعائشة، وابن عمـر، وبه قـال أحمد بن حنبـل، وإليه ذهب داود بن علي وأصحابه، والحجة على الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في طلاق الطاهر من غير جماع، ولم يقل أول الطهر ولا آخره.
وقال أشهب: لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض، لئلا تكون دفعة دم من غير حيض.
إلى أن قال: وقال بعض من يقول بالحيض: إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة بعد الغسل، وحلت الرجعة قاله سعيد بن جبير، وطاوس، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال شريك: إذا فرطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل).
السنة أن تطلق المرأة في طهر لم تمسَّ فيه، فإن طلقها وهي حائض فهذا طلاق بدعي، ولكنه يقع، وعليه أن يؤمر بمراجعتها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق.
وكذلك يكره أن يطلقها وهي حامل13 لئلا تطول عليها العدة مع وقوع الطلاق.
وهذا كله يرجح قول من قال المراد بالقروء الطهر، والله أعلم.
إذا عقد الرجل على المرأة ولم يدخل ولم يَخلُ بها، ثم طلقها، فليس له عليها عدة ولا رجعة، إلاَّ بخطبة وعقد جديدين.
وليس لها عليه نفقة، ولا سكنى، وليس بينهما توارث، وله أن يمتِّعها بما شاء من المال والملابس، إن لم يكن سمى لها صداقاً فإن سمى لها صداقاً فله نصفه، ودليل ذلك قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً"14 .
قال القرطبي: (فالمطلقة إذا لم تكن ممسوسة لاعدة عليها بنص الكتاب، وإجماع الأمة على ذلك، فإن دخل فعليها العدة إجماعاً.
إلى أن قال: هذه الآية مخصصة لقوله تعالى: "والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"، ولقوله: "واللائي يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر".
إلى أن قال: قوله تعالى: "فمتعوهن"، قال سعيد: هي منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي قوله: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم"15، أي فلم يذكر المتعة)16.
المطلقة المدخول بها أوإذا خلا بها تجب عليها العدة، سواء كانت هذه الفرقة بطلاق، أوخلع، أوفسخ، أونكاح فاسد كمن تزوج من غير ولي، ولا تجب في نكاح باطل لمن تزوج بخامسة إلاَّ بوطء، سواءً بذلك كانت الطلقة رجعية أوبائنة.
فإن كانت المفارقة حاملاً فبوضع حملها ولو وضعت بعد ساعة من طلاقها، وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة قروء، وإن كانت صغيرة أويائسة فعدتها ثلاثة أشهر.
وإليك تفصيل ذلك من بعض أقوال أهل العلم:
عدتها من وفاة أو طلاق أو فسخ وضع حملها.
قال في نيل المآرب في تهذيب شرح عمدة الطالب17: (الحامل وعدتها من وفاة، أوطلاق، أوفسخ وضع ما يتبين فيه خلق إنسان، ولو خفياً، مسلمة كانت أوكافرة، وأقل مدة الحمل ستة أشهر منذ نكاحها، وأمكن اجتماعه بها، فلو أتت به بدون ذلك وعاش لم تنقض به عدتها من زوجها، لعدم لحوقه به، وغالب مدة الحمل تسعة أشهر؛ لأن غالب النساء يلدن فيها، واكثر مدة الحمل أربع سنين لأنها أكثر ما وجد).
و قال القرطبي رحمه الله: (ولا خلاف بين العلماء على أن أجل كُلِّ حامل مطلقة يملك الزوج رجعتها أولا يملك، حرة كانت أومُدَبَّرة أومكاتَبَة، أن تضع حملها)18.
وقال: (إذا وضعت المرأة ما وضعت من علقة، أومضغة حلت؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلاَّ بما يكون ولداً)19.
أقل الحمل وأكثره
أقل الحمل ستة أشهر لقوله تعالى: "وحمله وفصاله ثلاثون شهراً"، واختلف الناس في اكثر الحمل على أقوال، أشهر ما قيل فيه أربع سنوات هذا إذا تركت الحامل لحالها من غير وجع صناعي، أوفتح بطن، وقيل لا حدَّ لكثره.
قال الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: "الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الرحام وما تزداد وكل شيءٍ عنده بمقدار"20: (في هذه الآية دليل على أن الحامل قد تضع حملها لأقل من تسعة أشهر وأكثر، وأجمع العلماء على أن اقل الحمل ستة أشهر، وأن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر.
وهذه الأشهر هي بالأهلة كسائر أشهر الشريعة، ولهذا قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في كتاب ابن الحارث أنه إن نقص عن الأشهر الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الشهر وزيادتها، حكاه ابن عطية.
واختلف العلماء في أكثر الحمل، فروى ابن جريج عن جميلة بنت سعد، وعن الليث بن سعد عن عائشة قالت: إن أكثره ثلاثة سنين؛ وعن الشافعي أربع سنين.
وروي عن مالك في إحدى روايتيه والمشهور عنه خمس سنين، وروي عنه لا حد له ولو زاد على العشرة أعوام، وهي الرواية الثالثة عنه، وعن الزهري ست وسبع؛ قال أبو عمر - ابن عبد البر - ومن الصحابة من يجعله إلى سبع؛ والشافعي مدة الغاية منها أربع سنين؛ والكوفيون يقولون: سنتان لا غير؛ ومحمد بن عبد الحكم يقول: سنة لا أكثر؛ وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها؛ قال أبو عمر: وهذه مسألة لا أصل لها إلاَّ الاجتهاد، والرد على ما عرف من أمر النساء، وبالله التوفيق.
روى الدار القطني عن الوليد بن مسلم: قال: قلت لمالك بن أنس إني حدثتُ عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين، قدر ظل المغزل؛ فقال: سبحان الله! من يقول هذا؟! هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق، حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين؛ وذكره عن ابن المبارك عن ابن مجاهد قال: مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة القيل.
وروي أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إني غبتُ عن امرأتي سنتين، وهي حبلى، فشاور عمر الناس، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين! إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع؛ فتركها فوضعت غلاماً قد خرجت ثناياه، فعرف الرجل الشبه، فقال: ابني ورب الكعبة! فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر.
وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني؛ ويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتين، وقيل ثلاث سنين، ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين، فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً، فشق بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه.
وقال حماد بن سلمة: إنما سمي هَرِم بن حيان هرماً لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين، وذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين، وقد طلعت سنه فسمي ضحاكاً؛ عباد بن العوام قال: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى شغره إلى منكبيه، فمر به طير فقال: كش)21 .
إذا أسقطت الحامل ما في بطنها بشرب دواء ونحوه هل تنقضي عدتها؟ أم لا؟
لا يجوز لمعتدة أن تشرب دواء لتطويل مدة الحيض أوتقصيرها، أولقطعه، ولا يجوز لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسقط ما في بطنها سواء كان نطفة أوتخلق، أثبت الأطباء أنه مشوه أم لا.
ولا يحل إسقاط الجنين إلا إذا أثبت الأطبة الثقات أن في وجوده خطراً على حياة أمه.
لقد رخص بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة في إسقاط الجنين قبل التخلق، أي دون مائة وعشرين يوماً، سيما إذا أثبتت الفحوصات المختبرية أنه مشوه الخلقة، وأجازت ذلك هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية22، مع بعض التحوطات.
وهذا قول ضعيف، وفيه تجن على خلق من خلق الله عز وجل.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه الروح، وجعلوه كالعزل، وهو قول ضعيف، لأن الجنين ولد وانعقد، وربما تصور، وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده إذا أراد الله خلقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن العزل: "لا عليكم أن لا تعزلوا، إنه ليس من نفس منفوسة إلا الله خالقها"23.
وقد صرح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقة لم يجز للمرأة إسقاطه، لأنه ولد انعقد بخلاف النطفة، فإنها لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد أبداً)24.
ولأنه ورد في بعض روايات حديث بن مسعود رضي الله عنه أن الجنين يمكن أن يتخلق في العلقة وتنفخ فيه الروح25.
أقل ما تنقضي به العدة من الحمل
أقل ما تنقضي به العدة وتعتق به أم الولد المضغة المخلقة، إذا دخل في العقد الثالث من أطواره، وأقل ذلك أن يكون عمر السقط واحداً وثمانين يوماً.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود أن لا تصوير قبل ثمانين يوماً.
إلى أن قال:
وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية، وتأولوا حديث ابن مسعود المرفوع عليها، وقالوا أقل ما يتبين خلق الولد أحد وثمانون يوماً، لأنه لا تكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق قبل أن يكون مضغة.
وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي بناء على هذا الأصل: إنه لا تنقضي العدة، ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلقة، وأقل ما يمكن أن يتخلق أويتصور في أحد وثمانين يوماً.
وقال أحمد في العلقة: هي دم لا يستبين فيها الخلق، فإن كانت المضغة غير مخلقة فهل تنقضي بها العدة؟ وتصير أم الولد بها مستولدة؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، وإن لم يظهر فيها التخطيط، ولكن كان خفياً لا يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء، فشهدن بذلك، قبلت شهادتهن، ولا فرق بين أن يكون بعد تمام أربعة أشهر أوقبلها عند أكثر العلماء، ونصَّ على ذلك الإمام أحمد في رواية خلق من أصحابه، ونقل عنه ابنه صالح في الطفل في الأربعة يتبين خلقه.
قال الشعبي: إذا نكِّس في الخلق الرابع، كان مخلقاً، انقضت به العدة، وعتقت به الأمة، إذا كان لأربعة أشهر؛ وكذا نقل عنه26 حنبل: إذا أسقطت أم الولد، فإن كان خلقه تاماً عُتقت، وانقضت به العدة إذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح، وهذا يخالف رواية الجماعة عنه.
وقد قال أحمد في رواية عنه: إذا تبين خلقه، ليس فيه اختلاف أنها تعتق بذلك إذا كانت أمة، ونقل عنه جماعة أيضاً في العلقة إذا تبين أنها ولد أن الأمة تعتق بها، وهو قول النخعي، وحُكي قولاً للشافعي، ومن أصحابنا من طرد هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدة أيضاً، وهذا كله مبني على أنه يمكن التخلق في العلقة)27.
أقل مدة تنقضي بها عدة الحائض
اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال هي:
-
شهر: وقد روي هذا عن شريح واستحسنه علي رضي الله عنه، وقال به عدد من أهل العلم.
-
شهر ونصف: وهو قول للمالكية.
-
سبعة وأربعون يوماً: وهذا مذهب أبي ثور.
-
ستون يوماً: وهذا مذهب أبي حنيفة وقول للشافعي.
قال القرطبي: (قال ابن المنذر: وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم: إذا قالت المرأة في عشرة أيام: قد حضتُ ثلاث حيض وانقضت عدتي؛ أنها لا تصدق ولا يُقبل ذلك منها، إلا أن تقول: قد أسقطتُ سقطاً قد استبان خلقه.
واختلفوا في المدة التي تصدق فيها المرأة، فقال مالك: إذا قالت انقضت عدتي في أمد تنقضي28 في مثله العدة قبل قولها، فإن أخبرت بانقضاء العدة في مدة تقع نادراً فقولان، قال في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صُدِّقت إذا صدقها النساء، وبه قال شريح، وقال له علي بن أبي طالب: "قالون"29، أي أصبت وأحسنت، وقال في كتاب محمد: لا تصدق إلا في شهر ونصف، ونحوه قول أبي ثور، قال أبو ثور: أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوماً، وذلك أن أقل الطهر خمسة عشرة يوماً، وأقل الحيض يوم.
وقال النعمان – أبو حنيفة -: لا تصدق في أقل من ستين يوماً؛ وقال به الشافعي).30
الارتياب قد يكون بانقطاع الدم، أوباشتباه الحمل، أوبالاستحاضة، ونحوه؛ انقطاع الدم إما أن يكون:
1. ليأس، فهذه تعتد بالشهور وتلغي ما اعتدته بالحيض إذا كان دون الثلاثة.
2. لمرض، فلها أن تعالج ذلك وتنتظر حتى تقضي ثلاثة قروء طالت المدة أم قصرت.
3. لا تدري سبب الانقطاع، وهي شابة لم تقارب سن اليأس، فعدتها سنة، تسعة أشهر استبراء، وثلاثة أشهر عدة.
قال القرطبي: (المرتابة في عدتها لا تنكح حتى تستبرئ نفسها من ريبتها، ولا تخرج من العدة إلا بارتفاع الريبة، وقد قيل في المرتابة التي رفعت حيضتها وهي لا تدري ما رفعها أنها تنتظر سنة من يوم طلقها زوجها، منها تسعة أشهر استبراء، وثلاثة عدة، فإن طلقها فحاضت حيضة أوحيضتين ثم ارتفع عنها بغير يأس منها انتظرت تسعة أشهر، ثم ثلاثة من يوم طهرت من حيضتها ثم حلت للأزواج؛ وهذا قول الشافعي بالعراق، وعلى قياس هذا، وروي عن الشافعي أن أقراءها على ما كانت حتى تبلغ سن اليائسات، وهو قول النخعي والثوري وغيرهما، وحكاه أبو عبيد عن أهل العراق.
إلى أن قال:
:
del.icio.us |
Digg
-
mmqhmwzc, 20/05/2012 04:24:01
IMnEYE <a href="http://bryrqzqeujxb.com/">bryrqzqeujxb</a>
-
nhddltff, 19/05/2012 20:56:45
QFvqnU , [url=http://ywpauolebjid.com/]ywpauolebjid[/url], [link=http://hktweobrwilr.com/]hktweobrwilr[/link], http://ttaaumkchpxk.com/
-
himfctwq, 19/05/2012 18:54:23
JBbdih , [url=http://tulllhmxpseo.com/]tulllhmxpseo[/url], [link=http://yjeshtjmausr.com/]yjeshtjmausr[/link], http://nbwizcfgtexw.com/
-
zcbxabpnput, 19/05/2012 16:38:02
oLAWDs , [url=http://ptkieddpshic.com/]ptkieddpshic[/url], [link=http://jzwopmbjaivv.com/]jzwopmbjaivv[/link], http://rwgcrwyjrqri.com/
-
toeociihuyg, 19/05/2012 14:10:37
7GBlWz , [url=http://kaebnwhdkspk.com/]kaebnwhdkspk[/url], [link=http://hogwlbcunvxb.com/]hogwlbcunvxb[/link], http://bcqsqstnrlrl.com/



إكتب تعليق